الآداب الشرعية (3 )

الآداب الشرعية

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

قال ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد : الهداية أربعة أنواع :

أحدها : الهداية العامة المشتركة بين الخلق المذكورة في قوله تعالى { الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } أي أعطى كل شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره ، وأعطى كل عضو شكله وهيئته ، وأعطى كل موجود خلقه المختص به ثم هداه لما خلقه من الأعمال .

قال وهذه الهداية تعم الحيوان المتحرك بإرادته إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره .

قال وللجماد أيضا هداية تليق به ، كما أن لكل نوع من الحيوان هداية تليق به وإن اختلفت أنواعها وصورها ، وكذلك لكل عضو هداية تليق به ، فهدى الرجلين للمشي ، واللسان للكلام ، والعين لكشف المرئيات ، وهلم جرا .

وكذلك هدى الزوجين من كل حيوان إلى الازدواج والتناسل وتربية الولد ، والولد إلى التقام الثدي عند وضعه ، ومراتب هدايته سبحانه لا يحصيها إلا هو .

الثاني : هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر ، وطريقي النجاة والهلاك .

وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام فإنها سبب وشرط لا موجب ، ولهذا ينتفي الهدى معها كقوله تعالى { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } [ ص: 30 ] أي بينا لهم وأرشدناهم ودللناهم فلم يهتدوا .

ومنها قوله تعالى { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } .

الثالث : هداية التوفيق والإلهام ، وهي الهداية المستلزمة للاهتداء فلا يتخلف عنها وهي المذكورة في قوله تعالى { يضل من يشاء ويهدي من يشاء } وفي قوله تعالى { إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل } وفي قوله صلى الله عليه وسلم { من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له } وفي قوله تعالى { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } فنفى عنه هذه الهداية وأثبت له هداية الدعوة والبيان في قوله { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } .

( الرابع ) : غاية هذه الهداية وهي الهداية إلى الجنة أو النار إذا سيق أهلهما إليهما . قال تعالى { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم } وقال أهل الجنة فيها { الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله } وقال في حق أهل النار { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم } . انتهى كلام البيضاوي في الهداية

وفي البيضاوي : الهداية دلالة بلطف ، ولذلك تستعمل في الخير وقوله { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } على التهكم . ثم قال : وهداية الله تتنوع أنواعا لا يحصيها عد ، لكنها تنحصر في أجناس مترتبة :

الأول إفاضة القوى التي بها يتمكن المؤمن الاهتداء إلى مصالحه كالقوة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة .

والثاني نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد ، وإليه أشار حيث قال { وهديناه النجدين } وقال { فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } .

والثالث : الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب وإياها عنى بقوله { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا } وقوله { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } .

والرابع أن يكشف على قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي بالوحي أو الإلهام والمنامات الصادقة ، وهذا قسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء ، وإياه عنى بقوله { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } [ ص: 31 ] وقوله { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } انتهى .

فالصحابة رضي الله عنهم هداة مهديون . وفي صحيح مسلم عن أبي موسى رضي الله عنه مرفوعا { النجوم أمنة للسماء ، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد ، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهبت أصحابي أتى أمتي ما يوعدون } وروي من حديث عمر وابن عباس وجابر رضي الله عنهم مرفوعا { أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم } رواه الدارمي وغيره وأسانيده ضعيفة .

وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم { لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه } والنصيف أحد اللغات الأربع في النصف ، فإنه يقال نصف بكسر النون وفتحها وضمها ونصيف بفتح النون وزيادة الياء والمعنى لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ ثوابه في ذلك نفقة أصحابي مدا ولا نصف مد لأن إنفاقهم كان في نصرته صلى الله عليه وسلم وحمايته وذلك معدوم بعده ، فتضمن ذلك أفضليتهم على غيرهم مطلقا ، وأن فضيلة نفقتهم على نفقة غيرهم باعتبار فضيلة ذواتهم ، وفضل الصحابة مشهور ، وسعيهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وبذلهم أنفسهم النفيسة مأثور ، وصدقهم ومواساتهم وحسن صحبتهم له صلى الله عليه وسلم مشكور 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق